Image
تواصلوا معنا: Instagram Twitter Facebook YouTube

"أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" ...

إنها عبارة يسهل التلفظ بها يخفق بها قلب واحد من بين كل خمسة أشخاص في أرجاء الكرة الأرضية. ويبلغ عدد المسلمين في الوقت الحاضر مليار مسلم على مستوى العالم. ومن المتوقع أن يزيد هذا العدد على نحو أسرع من معدل انتشار أي دين آخر، فهو دين يعتنقه الناس من كل حدب وصوب.

يمثل الإسلام الديانة الرسمية لكثير من البلدان على اختلاف أعراقهم؛ حيث يعتنقه الناس من المغرب في الجهة الغربية من العالم العربي حتى أرخبيل الملايو في شرق آسيا؛ ومن جمهوريات آسيا الوسطى في الشمال حتى قلب أفريقيا في الجنوب. ويقوم معتنقو الإسلام بالتوفيق بين تراثهم الثقافي والصورة العامة للإسلام لصياغة منظومة ثقافية، وتجمعهم الرغبة في "إسلام الوجه لله" – وهذا هو المعنى الأصلي لكلمة "الإسلام" في اللغة العربية، وصدق الله إذ يقول (ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً).

وكلمة الإسلام لغويا يدل معناها على الخضوع والانقياد، يقول الله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له) و (أمرت أن أُسلم لرب العالمين) ومن ثَم أطلقت عَلماً على الدين الحنيف وهو الدين الذي جاء متمماً للديانات الأخرى، يقول الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً). وهو الدين في جملته جاء ليكمل ما سبق من الشرائع السماوية التي جاءت عبر الأنبياء كنوح وإبراهيم وعيسى، يقول الحق جل شأنه: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) وقال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه)، فالإسلام دين لسعادة الناس كافة لكنه لا يُكره على الانقياد والتسليم له بل لا يعتبر أيمان المكره أو المقلد صحيحاً وقوله تعالى (لا إكراه في الدين) مدلوله عدم تأتي إيمان المكره وليست الآية نهي عن الإكراه، فتسقط حجة من أدّعى أن الإسلام يُكرِه الناسَ على الإتباع وقرر الله عز وجل أن أمر الإيمان أمر إلهي غير خاضع لمشيئة البشر حيث يقول: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ).

إن صورة الإسلام اليوم لا تخلو من التشويه وسوء الفهم، لكن الحق هو أن الانفتاح على العالم الحديث قد ساهم في وصول رسالة الإسلام لكثير من أهل البلاد غير الإسلامية وذلك لدرجة لم نشهد لها مثيلاً في التاريخ. والآن يوجد الملايين من الجيل الأول والثاني من المسلمين الغربيين والشرقيين، ومع وجود هذا التشويه لم يصدهم ذلك عن رؤية جدارة القيم الإسلامية وإسلام نواصيهم لله.

تاريخ الدين الإسلامي

يُقصد بسرد تاريخ الدين بيان المراحل الأولى لنشأته، ويثير هذا المفهوم تساؤلاً خطيراً في نفوس معتنقي العديد من الأديان؛ هل ظهر الدين في مرحلة معينة في التاريخ؟ ما هو مصير الأمم التي عاشت قبل ظهور الدين؟ ولماذا قُدّر لهم أن يحيوا بلا دين يهديهم؟

ولكن هذا الأمر بين المسلمين وغيرهم ليس سواء؛ فقد بزغ فجر الإسلام واستبان نوره منذ بداية الخليقة. وكان سيدنا آدم (عليه السلام) هو أول نبي أرسله الله إلى ذريته من البشر وأمره أن يدعوهم إلى الإيمان بالله. فالقرآن يحكيقصص الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى كافة الأمم في كل مكان – بلاد الهند والصين والعرب- يقول الله- تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير). لقد بُعث جميع الأنبياء برسالة واحدة – ألا وهي الإيمان بالله وحده وإخلاص العبادة له، ولكن بمرور الزمن غفل الناس عن روح الرسالة التي جاءت إليهم، وكلما خبا نور الرسالة، بعث الله – تعالى- أنبياءً آخرين لتأكيد الرسالة الأصلية للدين الحق. وقد تواصلت سلسلة النبوة لزمن طويل لا يمكننا التحقق من مداه، لكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، هو خاتم النبيين وسيد المرسلين وإمام المتقين، وقد خُصصت رسالته بأنها موجهة لأصحاب كل زمان ومكان بينما الشرائع السالفة اختصت بأزمنة وأمكنة معينة. وقد ظهر النبي الخاتم في مكة في القرن السابع بعد الميلاد في شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الرسول الأوحد الذي أعلن ختام الرسالات النبوية؛ حيث قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة في زاوية منه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (صحيح البخاري)

إن قصة الإنسانية هي قصة بحثٍ عن معنى الحياة وسعيٍ لمعرفة الهدف منها، وهو ما بيّنه رسل الله إلى الناس، وقد اكتملت فصول هذه القصة ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.عاش سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أربعين عاماً بين العرب في مكة قبل نزول الوحي عليه، وخلال تلك الفترة عُرِف بمكارم أخلاقه وتنزهه عن الدنايا، كما اشتهر بصدقه وأمانته، ولذا لقبه الناس "بالصادق الأمين". وفي سن الأربعين، نزل الملك جبريل عليه السلام بالوحي إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وبلّغه بأن عليه دعوة الناس إلى الإسلام. وتورد الحقائق التاريخية أنه في بداية البعثة، صعد النبي الكريم على الصفا وجعل ينادي القوم في مكة، فلما اجتمعوا له سألهم "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ، قالوا نعم ما جربنا عليك إلا صدقاً"، فجهر برسالته. عندئذٍ ألجمت المفاجأة ألسنة القوم؛ وتساءلوا هل لشخص لم يكذب قط أن يقف بين الناس ويكذب على ربه؟، ولكن ظل كثير منهم على دين آبائهم وأعرضوا عن دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ويحكي القرآن افتراءات أولئك الناس على الرسول الكريم التي تكشف مدى تخبطهم في غياهب الضلال؛ فقد قالوا أنه كاهن، ومجنون وساحر وشاعر، لكن قومه لم يتهمه بالكذب لما اعتادوه من أمانته وصدقه بل أنكروا مضمون رسالته صلى الله عليه وسلم ، يقول تعالى في كتابه المجيد: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (الأنعام، 33).

لقد كانت هناك دلائل كثيرة تشير إلى صدق الرسول الكريم، فلو كان مدعياً للنبوة لجعل "الوحي" يوافق هوى نفسه، ولكن الوحي نزل أحيانا خلافا لما كان يريده النبي صلى الله عليه وسلم نحو ما نزل في زواجه صلى الله عليه وسلم من أم المؤمنين زينب بنت جحش)وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا(. ولو كان مدعيا للنبوة لاخترع الوحي في لمح البصر، ولكن نزول الوحي تأخر عليه رغم تضرعه لله بأن يعجل به. ولو كان مدعيا النبوة لسعى إلى استغلال منزلته بين الناس للحصول على مكاسب شخصية، ولكن سيدنا محمداً رفض ما عرضه عليه قومه من مال وجاه ونساء وولاية كي يرجع عن دعوته.

حينذاك بدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وعظُم شأن من أجابوا دعوة النبي لهم، وظل الحال هكذا إلى أن شعر سادة مكة بأن سلطانهم في خطر فبدءوا يضطهدون المسلمين لكسر شوكة الإسلام، واشتد بطشهم بعد موت أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان سيد قريش والمدافع عن ابن أخيه. بعد ذلك، بدأ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في البحث عن أرض خصبة لنشر رسالته السامية السمحة. وبعد رحلة شاقة، استقبله أهل المدينة استقبالاً مهيباً وآمنوا به وصدقوه ورحبوا به وجعلوه حاكماً بينهم وقائداً لهم. وفي المدينة عمل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على تدعيم أواصر المحبة والإخاء بين سائر أفراد المجتمع، فاهتدى الناس بهديه في كل أمورهم وتجلّى إخلاص العبادة لله في حلّهم وترحالهم. وقد وجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة أرضاً خصبة تنطلق منها رسالته رغماً عن أنوف أعدائه بمكة الذين طردوه. ولما كانت مكة مقراً لأماكن الحج المقدسة فقد حظي كبراؤها بقدر كبير من احترام سكان شبه الجزيرة العربية؛ لذا كان انتشار رسالة محمد صلى الله عليه وسلم يمثل تهديداً لمكانتهم المتميزة. لذا فقد هاجم مشركو مكة الرسول صلى الله عليه وسلم وحاربوه حتى عقدوا معه الهدنة ونكثوها لينتهي الأمر بهزيمتهم وعودة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة منتصراً فيعفو عن أعدائه ويتمثل لهم قائلاً: ماذا تقولون وماذا تظنون؟ قالوا: نقول خيراً ونظن خيراً، أخٌ كريمٌ وابن أخٍ كريم، وقد قدرت! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإني أقول كما قال أخي يوسف: " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين " - مما دفع كثيراً منهم إلى قبول الإسلام. وبعد مرور ثلاثة وعشرين عاماً من بدء نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم انتقل إلى الرفيق الأعلى تاركاً من خلفه الآلاف من الصحابة الذين أجابوا بثباتهم على دينهم سؤال القرآن الكريم لهم في قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم). لقد أضاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم شعلة من الحب الإلهي والإسلام الحق في أفئدتهم حملوها معهم إلى جميع أنحاء العالم.

وفي عام 632 م بُعيد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أدت المناورات السياسية التي قامت بها الدولة الإسلامية الناشئة بهدف مقاومة عداء جيرانها إلى اضطرارها لخوض الحروب ضد أقوى إمبراطوريتين في ذلك العصر، فخاضت حربين الأولى ضد الدولة البيزنطية والثانية ضد الفرس انتهت كلتاهما بانتصارها، ولتصبح الدولة الإسلامية مسئولة عن رعايا ينتمي غالبيتهم إلى ديانات أخرى غير الإسلام. وجدير بالذكر هنا أن إكراه غير المسلمين على اعتناق الإسلام ما هو إلا محض خيال، وتدلل على ذلك الأحداث التاريخية بل والواقع الملموس كذلك، ومن بين تلك الدلائل الأقليات الكبيرة التي تحيا اليوم في قلب العالم الإسلامي في دول كمصر والأردن ولبنان، وتعود أصولها الدينية إلى ما قبل الإسلام ليضمن لهم حكامهم من المسلمين بعد ذلك حرية ممارسة شعائرهم الدينية لأكثر من ألف عام. وهذا على النقيض تماماً مما حدث في إسبانيا مثلاً -والتي كانت تعد إحدى العواصم الإسلامية المزدهرة- حيث تم استئصالها بالكامل من سكانها المسلمين واليهود بعد أن غزتها قوات الفرنجة. لقد تمتع غير المسلمين في ظل الدولة الإسلامية بحماية لا نظير لها على مر التاريخ.

وتفخر الكتابات الإسلامية التاريخية بابتعادها عن الدعوة لاضطهاد غير المسلمين وهو ما كان من الممكن أن تزخر به صفحات التاريخ لو كان الإسلام قد سمح به. فمثلاً يقص التاريخ كيف اختصم علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين مع أحد اليهود في درع له أمام القضاء ليصدر الحكم في النهاية لصالح اليهودي لعدم كفاية الأدلة. ويروي كذلك قصة الخليفة عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين عندما امتنع عن الصلاة في كنيسة المسيحيين خشية تذرع المسلمين بذلك من بعده لتحويل الكنائس إلى مساجد. إلا أن ذلك لا يعني بأية حال أن المسلمين لم يشجعوا على اعتناق الإسلام، بل على العكس ولهذا نجد أن البلاد التي كانت تمثل صدر الدولة البيزنطية حينها أصبحت اليوم ذات أغلبية إسلامية ؛ لذا فإن أقل ما يمكن أن يقال هو أن تحول غير المسلمين التدريجي إلى الإسلام جاء طوعياً ودون أي إكراه. انتشر الإسلام في العديد من الأراضي دون أية دوافع سياسية على الإطلاق؛ فقد انتشر في إندونيسيا –أكبر الدول الإسلامية في العالم- على يد التجار والدعاة من المسلمين، ووصل بنفس الطريقة إلى الصين وجنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا.وهكذا وصل الإسلام إلى جميع أنحاء العالم من خلال التحاور والإقناع لا الإكراه، إلا أن العلاقات بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول اتسمت بالتوتر بالرغم من ذلك مما تسبب في ضآلة فرص الحوار السلمي بين الجانبين. ولكن هذا الوضع شهد تغيراً كبيراً خلال القرن العشرين؛ فقد كانت فترة ما بعد الحروب العالمية بمثابة بداية لعهد من الاستمساك بالسلام والانفتاح والتجارة الحرة والرخاء الاقتصادي للحفاظ على السلام الدولي بدلاً من العداء بين الدول. ولم تختلف الدول الإسلامية في هذا عن غيرها من دول العالم، فقد كانت من أوائل الدول الموقعة على ميثاق الأمم المتحدة منذ بداية صدوره.

وهكذا بدأت المواقف العدائية بين الدول تهدأ ليحل محلها الرغبة في استكشاف الآخر مما أدى بدوره لبدء الحوار بين الشرق والغرب وبالطبع كان الإسلام شريكاً في هذا الحوار. لقد تعلم كلُ من المسلمين والغرب الكثير ولم يزل أمامهم المزيد لتعلمه. ولقد زاد حجم التبادل في العالم بشكل كبير في ظل هذه الأجواء المنفتحة، ووصل الإسلام إلى كل البلدان فاعتنقه الكثيرون في جميع أنحاء العالم. ولم يكن وجود الإسلام في تلك البلاد قوة استعمارية تمحي ملامح الحضارة المحلية بل كان منطلق العلاقة مبني على تجسير الهوات واغتراف كل حضارة من الآخر ليتم تبادل العلوم والقيم الثقافية، وإسهام المسلمين في بناء الحضارة العالمية.